محمد غازي عرابي

862

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

كان قلبه لهذه الصفات تربة صالحة للزراعة ، وما يفعله الإنسان يتم بتوجيه بل بأمر ، فالذين يظنون ويتصورون أن الإنسان مبصر خارجي وسامع خارجي فهم مخطئون ، إذا الإنسان مبصر ببصر داخلي هو البصيرة ، وسامع بسمع داخلي هو الوحي والإلهام فالإنسان مخلوق مثالي جاء إلى العالم ليمارس إمكاناته ، ويفلق بذور صفاته الموجودة فيه ، وليس للإنسان أن يختار الصفات ، وليس له أن يفعل ما يشاء ، لأن القصد ليس أن يحيا الإنسان كما يشاء ، ويختار ما يشاء ، بل القصد أن يظهر بذور اللّه التي استودعها إياه ، وعلى هذا فالإنسان محكوم بالأسماء ، وهو قاطرة تسير على سكة وفي اتجاه معين من المهد إلى اللحد ، ولو كان الأمر غير هذا لدبت الفوضى في نطام الكون ، ولشاعت الفوضى في قانون السببية ، قال سبحانه في سورة التكوير : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) ، فكان ختام السورة أن مشيئته هي القاهرة فوق العالمين . وهناك بطن ثالث للآية يعبر عنه بالأحرف التي بدئت بها بعض سور القرآن ، وهو أن أاشتق منه ع فاشتق العين منه ك ل ي ه ص ، فكانت الأحرف هذه الأجزاء المنبثة في عالم العيان ، ولكل منها وجود الألف وفعالية العين وقواه ، فجعلت تلتقي وتفترق وتنجذب وتتنافر وتصطدم وتصطلح ، وإذا كل منها حبة أنبتت بعد بذرها في أرض العناصر سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وإذا العين قد أتم مهمته بعد هذا الإنبات ، وإذا الألف قد حصد ودرس وطحن وجعل الطحين في جرة دفنها في الأرض ، فإذا غرسة تنبت وتنمو لتصبح شجرة عظيمة هي الشجرة الجامعة ، فيها من كل فواكه المعقولات ورطبها وزيتونها ، وإذا العين قد استوى فوق هذه الشجرة التي هي العرش ، والعملية كلها حركة داخلة في نطاق الزماكان ، لا بداية لها ولا نهاية ، فالداخل خارج ، والخارج داخل ، والجزء كل ، والكل جزء ، والعاقل معقول ، والمعقول عاقل ، وإذا الألف قد غرس عصاه في هذه الأرض المباركة . ثم نادى موسى القدرة أن حرك هذه العصا الحية فإذا الكون كله يموج بالحركة والحياة ، وقيل في وصف هذه العصا ما قيل ، والحقيقة أن لها رؤوسا بعدد أغصان الشجر ، وهي تمتد من أقصى البر إلى أقصى البحر ، وهي قادرة على الغوص إلى قيعان البحار ، ولو رفعت رأسها لطالت النجوم ، وهي التي أجرت الفلك في البحر كالأعلام ، وهي التي أنطقت حيتان الأنفس مسبحة للّه ، ولو أن العرش وما فوقه من معقولات ، وما تحته من محسوسات انبسط ما وسع رأسا من رؤوس هذه العصا السحرية التي هي اللّه وقواه . فعن هذه العصا إبحث ، وفيك موسى وعيسى ومحمد ينشدون لك الخير ، وأن تجد الجدار الذي أقامه العبد الصالح روح الحياة وكنزك ، فتعلم قدرك ، وتعلم أنك مسكين يتيم غر سقيم